الشيخ عبد الغني النابلسي
405
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فآمن بالّذي آمنت به بنو إسرائيل على التّيقّن بالنّجاة ، فكان كما تيقّن لكن على غير الصّورة الّتي أراد ، فنجّاه اللّه من عذاب الآخرة في نفسه ، ونجّا بدنه كما قال تعالى : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [ يونس : 92 ] . لأنّه لو غاب بصورته ربّما قال قومه احتجب . فظهر بالصّورة المعهودة ميّتا ليعلم أنّه هو . فقد عمته النّجاة حسّا ومعنى . وأما الإيمان في وقت اليأس والشدة واليأس من الحياة المشار إليه بمقتضى قوله تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ ، أي الكافرين بحيث ينقذهم من العذاب لما رَأَوْا بَأْسَنا ، أي شدتنا عليهم بنزول العذاب فيهم سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي ، أي عادته تعالى قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ [ غافر : 85 ] المتقدمين كان إيمانهم لا ينفعهم عند معاينة أسباب الموت القريبة ، ولا ينقذهم من الهلاك وخسر هنالك المبطلون وقوله تعالى : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إلّا قوم يونس لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [ يونس : 98 ] فلم يدل ذلك ، أي انتفى نفع الإيمان في وقت نزول العذاب على أنه ، أي الإيمان في ذلك الوقت لا ينفعهم في الآخرة ، لأن معناه لا ينفعهم ، أي لا يرفع عنهم ذلك العذاب النازل بهم ، وإذا لم ينفعهم برفع العذاب عنهم لا يلزم منه أن لا ينفعهم في الآخرة ، وكون المعنى بأنه لا ينفعهم برفع العذاب النازل بهم يستدل عليه بقوله تعالى في الاستثناء من عدم النفع في الإيمان إلا قوم يونس فأراد تعالى أن ذلك الإيمان في ذلك الوقت لا يرفع عنهم ، أي عن الكفار الأخذ ، أي الإهلاك والتدمير في الدنيا ولم يستثن تعالى من هذا الأمر العام إلا قوم يونس كما قال سبحانه لما آمنوا : كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [ يونس : 98 ] ، وملة بني إسرائيل التي مات عليها فرعون لما قال حين أدركه الغرق أنه : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ يونس : 90 ] كانت هي وصية إبراهيم ويعقوب بالإيمان حين الموت ، قال تعالى : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) [ البقرة : 132 ] . والجملة حال والحال مقارنة للموت فإيمان اليأس مقبول في ملة بني إسرائيل فافهم ؛ فلذلك ، أي لأجل ما ذكر أخذ فرعون ، أي أهلكه اللّه تعالى بالغرق في البحر مع وجود الإيمان منه وصحة قبوله ونفعه في الآخرة ، كل إيمان يحصل في الحياة الدنيا مقبول من صاحبه ، وإن لم ينجه من العذاب الواقع يقال : هذا إن كان أمره ، أي فرعون أمر من تيقن بالانتقال ، أي الموت والهلاك